المشرف العام
27-07-06, 12:53 AM
الفصل الثالث
الساعة الثالثة بعد الظهر والشمس تقذف بحممها كسهام تخترق العظام. لم تكن هناك شجرة يحمي بها المرء نفسه من الشمس، سوى ذلك المقهى الصغير المبني من الصفيح، والمليء بالمسافرين وسائقي سيارات الأجرة. وقفنا في طابور طويل، ننتظر دورنا لاستئجار إحدى السيارات. تعبت من الوقوف ومن شدة حرارة تلك الصحاري. جلست في مكاني لكي لا أخرج عن الصف. أخرجت من حقيبتي قنينة كولا، ساخنة ومع ذلك شربتها. ضايقتني نظرات المسافرين لي ولفاطمة. ربما كانوا يتساءلون ماذا نعمل داخل هذه الصحراء القاحلة وبين هذا الجمهور الغفير من الرجال. تملكني الذهول واعترتني الدهشة والارتباك قلت للعجوز أريد أن أذهب لأصلي. رمقني بنظرة استخفاف وضحك مستهزئا: ما عمري شفت شي واحد بيصلي بسروال الجينز ... وَيْنِّي هاذي موضة جْدِيدَة!
لم أعد أحتمل سخريته صحت فيه قائلة: يا ابن الإيمان من سماك ابن الإيمان؟ إنه اسم على غير مسمى، الأجدر أن تسمى ابن الشيطان. أنا سأصلي ببنطلون الجينز وأنت أيها العجوز اللئيم لم يعد بينك وبين قبرك إلاّ شبر ولم أراك صليت قط!
سألت علية: وبماذا أجاب؟
- لم ينبس بكلمة واحدة. ظل يحدّق فيّ. ابتعدت عن مكان الطابور، تيممت ثم صليت من غير أن أعرف مكان القبلة. نظرت إلى السماء، رأيت الغيم يلفّ سماء حالكة منذرا بقدوم ليل متجهم، دموعا دافئة سالت وحجبت عني الرؤيا. يا للوحشة من هذا السفر الوحشي. جلست تحت تلك الشمس المحرقة بعيدا عن ذلك الشيطان العجوز، وبعيداً عن صراخ الطفل المسكين الذي كان يوجع قلبي كلما أسمع بكاءه. أحسست بشيء من الاطمئنان والراحة رغم شدة الحرارة. بعدها رجعت إلى موقف السيارات فوجدت العجوز يجادل سائقا حول الأجرة. سمعت السائق يقول له: ثلاث مائة وخمسين دينار للشخص الواحد. قال ابن الإيمان: "هلا خفضت السعر؟" أجابه السائق: "لا يمكنني أن أفعل ذلك لأن هذا هو السعر المتفق عليه والذي نأخذه من المسافرين إلى ليبيا." لم تمر عشرة دقائق حتى غادر السائق المكان وسيارته ملأى بالركاب. أما العجوز فقد اتجه إلى سائق ثان يسأله عن السعر. طلب ثمنا أغلى. تركه وذهب إلى سائق ثالث. المسافرون يغادرون وهو حتى ذلك الحين لم يجد السائق الذي سيأخذنا بأجر أقل وكما يريد.
- كانت الساعة تشير إلى السادسة مساءا. أقفلت مكاتب الجمارك وغادرت الشرطة المكان، ولم يبق أحد في تلك الصحراء القاحلة إلا نحن وسبع رجال من المسافرين كانوا يجلسون في ذلك المقهى الصغير الذي ينبعث منه ضوء الشمع الخافت. بدأت الشمس تغيب عن كبد السماء والطقس يشتد بردا، والظلام ينشر لونه الأسود الداكن على تلك الصحراء المنبسطة، والعجوز يزمجر ويسخط. أما زوجته فلم تنبس ببنت شفة ولم تهتم بوجودنا في تلك الصحراء النائية، فهي موكلة أمرها لزوجها الذي يعرف كل شيء، وهو الذي يحسن التصرف، والذكي الحذق الذي لا يستغله أحد.
سألته: ابن الإيمان، هل تعي ما تفعل؟ لم يعد أحد غيرنا في هذه الصحراء، وتعرف أن هذه المنطقة خطيرة قد يداهمنا جماعة البوليزاريو أو شرذمة من المتطرفين الجزائريين؟ قالت فاطمة بصوت يلبسه الخوف: "من (هو) البوليزاريو ومن هم المتطرفين الجزائريين؟ ردّ عليها مزمجرا: أسكتي يا امرأة هذه أمور لا دخل لنا فيها، نحن لا نتدخل في السياسة، ولا نريد أن نعرف عنها شيئا. قلت له بعصبية: " من طلب منك أن تتدخل في السياسة أو تعرف عنها؟ فمثلك مثل الدابة على الأرض. توقفت عن الكلام وابتعدت عنهما قليلا، انتابني خوف وقشعريرة في جسمي وشعرت شعورا غريبا في نفسي وتهيأت لي تخيلات مريبة.
- رأيت ثلاث سيارات قادمات من الجزائر تقترب منا فتهيأ لي أنها جماعة من المتطرفين الجزائريين. نهضت من مكاني واتجهت مسرعة إلى تلك المقهى أصرخ :"عصابة قادمة إلينا". وقف الرجال الذين كانوا يجلسون بذلك المقهى وقالوا بصوت واحد: "لا داع للخوف فالسيارات سيارات أجرة."شعرت بشيء من الاطمئنان. وأخيرا جاءت السيارات التي ستأخذنا إلى ليبيا. توقفت السيارات الثلاثة قرب المقهى. نزل ثلاث شباب في نفس العمر بلباسهم الأوروبي يظهر عليهم أنهم قادمون من أوروبا. هرول الرجال نحوهم، كل واحد أخذ مقعده بعدما دفعوا أجرة الطريق إلا العجوز كان يجادل أحد السائقين على الثمن وكان السائق يقول له بأننا لا نأخذ المسافرين بأقل من هذا الأجر. بدأ العجوز يزمجر ويسخط ويقول للسائق باستكانة مصطنعة: "لا أملك الكثير من النقود كي أؤمن أجرة الطريق. قال له السائق: أنت حر في ما تملك. تعجبت لبخل ذلك العجوز ولعناده الذي لا يجدي شيئا. والذي أذهلني أكثر أن أبي أعطاه نقودا عندما كان يودعنا بمحطة الرباط مساعدة له ولزوجته، وفي نفس الوقت مكافأة له لأنني سأقيم عنده في ليبيا، وأعطاني أضعاف ذلك المبلغ لكي لا أحتاج شيئا في ذلك البلد وقال لي عندما تنقصك النقود ما عليك إلا أن تتصلي بي هاتفيا. فالعجوز عنده أجرة السفر ويمكنه أن يسافر ويرجع إلى المغرب عشر مرات بالنقود التي أخذها من أبي.
- قلت له: يا ابن الإيمان، هل تريدنا أن نقضي الليلة في الصحراء أو تريد أن تسافر مجانا؟ نظر إلي السائق وقال: - هو حر. قلت للسائق: كم يكلف أجرتنا نحن الثلاثة؟ قال: " ثلاث مائة وخمسين دينار لكل واحد منكم. أعطيته النقود فأبى أن يأخذها مني قائلا:" لماذا تدفعي أنت ثمن ركوبه؟ اتركيه، ربما ستأتي سيارة أجرة وتأخذه بالمجان. شعرت ببرد في قلبي وانتابتني لحظة من كآبة، أرعبني صمت الصحراء في ذلك المساء المتأخر ومنظر القمر السارح في فلوات الرتابة. قلت للسائق: من فضلك خذ النقود ودعنا نغادر هذه المنطقة فهي موحشة." قال لي:" لن آخذ سوى أجرتك فقط. - لكن، كيف؟ فأنا لا يمكنني أن أغادر إلا بمعييتهم! استغرب السائق وقال: هل جئت مع هذه العائلة؟ كنت خائفة منه وخائفة من ابن الإيمان الذي تحول من حمل وديع إلى ذئب مفترس، وخائفة من الليل ومن شدة البرد الذي بسط سطوته وخائفة من الصحراء ومن كل شيء حولي. كدت أفقد أعصابي، وأحسست أن عقلي سيطير من رأسي.
- قلت للسائق:" يا سيدي، إن هذه العائلة عائلتي وسأقيم عندهم في ليبيا. ضحك وقال:" معذرة اسمحي لي، لا أصدق أن هذا الرجل من عائلتك ولا هو من ثوبك فالفرق شتان بينكما. قال العجوز والبخل يحتضنه، يلهبه كجمرة زائدة: سأدفع لك النقود عندما نصل إلى ليبيا. قال السائق: ومن سيضمن لي بأنك ستدفع النقود عندما تصل إلى ليبيا؟ نظرت إلى السائق وقلت له بسرعة: أنا، أضمنه وهذا جواز سفري خذه ضمانة. لم يقل العجوز شيئا، فالسكوت علامة الرضا. نظر إلي السائق وقال: أستغرب من أمر هذه العائلة وأمرك. لكن، سآخذك وهذه العائلة من غير ضمانة منك. سأكتفي بوعد منه، نظر السائق إلى العجوز وقال: إنك محظوظ، لو لم تكن مع هذه الفتاة لما ركبت سيارتي. نظر العجوز إلى الشاب، تنفس أعماقه، فتح باب السيارة الأمامية. استوقفه السائق: مهلا، هل تريد الجلوس بجانبي؟ _ نعم، النساء مع بعضها وأنا أجلس بجانبك. السائق: فكرة جيدة لكن، أفضل أن تجلس بقرب زوجتك وابنك. والأخت تتفضل في المقعد الأمامي.
- انطلقت السيارات الثلاثة داخل الصحراء. كان الظلام حالكا، لا يمكن للمرء أن يرى شيئا سوى ضوء السيارات الثلاثة. كنت متعبة وكانت السيارة دافئة، نمت نوما عميقا. بعد أربع ساعات، توقفت السيارات الثلاثة أمام مقهى في إحدى مدن الجزائر الصغيرة. نزل كل الركاب لتناول العشاء. جلس السواق الثلاثة حول إحدى الموائد، والرجال السبعة حول مائدة أخرى. أما ابن الإيمان فتوارى بزوجته بعيدا عن العيون الثائرة والمثرثرة التي تهوى الجديد. دخلت إلى الحمام، غسلت وجهي ثم رجعت إلى السيارة وأنا في وحدتي وملاك الظلام يهمس من حولي: دعي الفلك تجري ولا ترقبي فأنت التي اخترت العوم في الفضاء ... فتحت حقيبتي، أخذت قطعة حلوى وقنينة الكولا، حيرى أهيم في وحشتي، أفكر في طلوع الغد ودمعي على مبسمي تجري، أعزي نفسي وبداخلي خوفا.
- فجأة سمعت أحدا ينقر على النافدة، إنه سائق السيارة، نظر إلي مبتسما وقال: ألا تريدين النزول للعشاء؟ رفعت عيني أحدق فيه وحولي إطار رهيب من الخوف، أمشي وكأني به واقفة.
- أجبته شاكرة: سأكتفي بالحلوى والكولا.
- انزلي تعشي معنا.
ترددت أول الأمر، بعدها وافقت. ثم اتجهت معه إلى حيث أصدقائه. كان سقف المقهى منخفضا، تنطلق منه بتكرار وتواتر سريع أحاديث و وشوشات الزبائن، تحوّلت في سمعي إلى تمتمات متداخلة. قال أحدهم مشيرا إلى العجوز وزوجته: هل أنت مسافرة مع تلك العائلة؟
نظرت إليه بين ثلج ونار، أغض بطرفي عن غيوم آفلة تحيطني بغدر الزمان الكئيب. نظر ثالثهم إلى العجوز باشمئزاز وقال: كيف لم يسألك الانضمام إليهم على مائدة العشاء؟
شعرت بارتباك واحمر وجهي خجلاً: أنا لا أحتاج منه دعوة ولا أحتاج نقودا، فعندي ما يكفيني، إلا أنني لا أشعر برغبة في الجلوس معهما. قلت كلامي ذاك وندمت.
أقال أحدهم: مادمت تكرهينه فلماذا تسافرين معه؟
كانوا ينظرون إلي باستغراب وفي صدري نصل يستل روحي لتمضي بعيدا. ترددت لحظة ووجدت نفسي أشرح لهم أمري مع ذلك العجوز وزوجته، متحفظة في كلامي وصوتي عميقا يخفي سري. عيونهم فارغة تنبثق منها علامات التعجب والاستفهام، يتطلعون إليه بين الفينة والأخرى متأففين مستهجنين لتصرف رجل أكرمه أبي وأوصاه علي بالحسنى.
قال السائق: أعرفك بنفسي، اسمي (سمير) وهذا رفيقي (زكريا) وهذا ابن عمي (سهيل). إطمئني فنحن معك وسنحميك منه ومن غيره. فأنت آمنة إلى أن تصلي ليبيا.
نظر إلي كل من (سهيل) و(زكريا) بابتسامة وكأنهما يؤكدان كلام صديقيهما سمير. لأول مرة بعد يوم وليلة استمتعت بتواجدي مع شباب يتحدثون في شتى المواضيع المختلفة والجديدة علي. وظيفتهم بيع السيارات وشرائها. يَأتون بها من إيطاليا أو فرنسا إلى المغرب. ويحملون الركاب إلى ليبيا بعد ذلك يبيعونها في طرابلس، ثم يغادرون إلى إيطاليا لشراء سيارات أخرى. كان سمير لا يكف عن الضحك والنكت. نسيت للحظات ابن الإيمان وأحسست ولأول مرة أنني مستقلة عنه ومسافرة وحدي.
وحان وقت الرحيل، واتجه كل واحد مناإلى سيارته. انطلقت السيارات الثلاثة وسط تلك القرية الصغيرة التي كان يعم فيها صمت رهيب وسكون قاتل، وكأنها مهجورة من السكان، إلا من نباح الكلاب الضالة بين الأزقة الضيقة. بعد عشرة دقائق، توغلنا بشارع داخل الصحراء القاحلة والمظلمة.
سأل العجوز سميرا: متى سنصل إلى ليبيا؟
أجابه: بعد يومين ونصف، لأننا نمر من أقصى جنوب الجزائر." قطب ابن الإيمان عن جبينه، لم يعجبه الجواب. "ماذا تعني بأقصى جنوب الجزائر." قال سمير:" مساحة الجزائر من الجنوب عرضا أطول من مساحتها من الشمال. لم أكن أعرف لماذا اختاروا تلك الطريق الطويلة ولم أسأل سميرا عن السبب. المهم نحن في طريقنا إلى ليبيا. التفت إلى فاطمة أريد الاطمئنان عليها فإذا بي أفاجأ بدموع تسيل على خديها. التزمت الصمت، تركتها كالجريح على شاطئ الوقت يخترق الدخان دمها، واكتفيت بأسئلتي تتناطح بداخلي... هل تبكي غربتها ... هل تبكي زمانها الكئيب مع زوجها .... هل تبكي حياتها التي لا تختلف عن موتها ...هل تبكي عن صوتها وصمتها الذي لا يسمع إلا بداخلها ... وجهها ضاعت صفاته عبثا على درب بلا قدر ... لا أعرف لماذا أفكر فيها، فحلمي أيضا بين صوت وموت وثلج ونار ...
التفت إلي سمير وقال أين ذهبت بفكرك ... هل تحبين موسيقى (الراي)؟ قلت بسرور مصطنع: أعشق موسيقى (الراي) وخصوصا القديم منه لأنها تتصف بإيقاع جزائري محض.
- ليس عندي ندي إلا الجديد منه، هل تحبين أن تسمعينه؟
وضع شريطا داخل جهاز التسجيل. كانت موسيقى جميلة، ومما زادها جمالا تلك الطريق الطويلة داخل الصحراء الهادئة وذلك الليل الذي أرخى سدوله على كل الجهات. حملني اللحن إلى عالم ثان، عالم الأحلام بالمستقبل الجميل وبالحرية وعدم الخوف والرعب من السر الخطير ومن زوج المستقبل، الذي كنت أخشى قدومه.
بعد انتهاء الشريط التفت إلي مبتسما وقال: هل سمعت آخر النكت المغربية؟ فاجأني بسؤاله فأنا لست متعودة على المزاح وخصوصا مع الجنس الآخر.
- سألته متلعثمة: ما هي آخر نكتة؟
- أنت التي جئت من المغرب، أسمعيني ما عندك. إنني أحب سماع النكت، لكن لا أحب أن أرويها لأنني لا أُضحك أحدا. مرة كنت أروي نكتة لإخوتي فعندما انتهيت من إلقاءها، كانوا ينظرون إلي.
سأل سمير مبديا ارتياحه بالتحدث إلي: لماذا؟
كانوا يظنون أن النكتة لم تنته بعد. فقال أحد إخوتي: وبعد؟ قلت له ليس هناك لا بعد ولا قبل تلك هي النكتة، فانفجروا ضحكا.
بدأ سمير يضحك. فشعرت بسخونة في جسمي خجلا. هل تضحك علي؟
- لا، لكن ما رويته الآن فهو نكتة. ثم بدأ يروي نكتة تلو الأخرى وأنا أضحك. بعدها أمسك بشريط ثان للراي وقال: لنسمع شيئا من الموسيقى.
كنت انظر من خلال النافذة إلى الصحراء التي أخفاها الظلام خلف بساط من السكون المرتخي. استيقظ الطفل من نومه القصير كالعادة، وبدأ يبكي والعجوز يزمجر في زوجته: اسكتي ابنك إن صراخه يزعجني. لم أرد أن أفكر في أمرها ولا أمر زوجها لأنه يزيد ني قلقا وغضبا. أخفضت صوت الموسيقى وسألت سمير: هل تتقن اللغة الإيطالية جيدا؟ ضحك وقال: بطبيعة الحال، إنني أسكن في إيطاليا.
_ أسمع أن اللغة الإيطالية قريبة من اللغة الأسبانية، هل هذا صحيح؟
_ نعم، إن اللغتين تتشابهان كثيرا في النطق وفي معظم كلماتها؟" هل تتكلمين أنت اللغة الاسبانية؟ - درست الأسبانية بالثانوية، كما أن أمي كانت تساعدني كثيرا في إنماءها. إن أمي من سكان (طنجة) لكنها سودانية الأصل. وأنت تعرف أن طنجة كانت تحت الاحتلال الأسباني.
- أنا أمازيغي , من مدينة (تافراوت) درست اللغة الأسبانية أيضا في المغرب. بعدها بدأ سمير يخاطبني باللغة الأسبانية، لقد أعجبته اللعبة. ربما أراد أن نستقل بحوارنا ونبتعد عن عالم ابن الإيمان الذي كان يزعجه من حين إلى حين بأسئلته اللامتناهية. تحدثنا طويلا عن مواضيع مختلفة؛ عن الدين وعن العادات، وعن وضعية المرأة في مجتمعنا. كانت آراؤه تختلف عن التي عهدت سماعها من أهلي.
ارتحت لنقاشه كثيرا وكأنه أزال عن قلبي بآرائه المتفتحة إرباكي في الغوص بضوضاء الأفكار. نادتني فاطمة بصوت منخفض وقالت: " هل يمكنك أن تضعي ذلك الشريط الذي به أغنية الغربة؟ إنه جميل جدا.
سألتها: أي شريط تقصدين؟
قال سمير: ماذا تريد؟
- إنها تريد أن تسمع الأغنية التي تتحدث عن الغربة.
بينما سمير يبحث بين الأشرطة محاولا إيجاد الكاسيت، سمعت الّلكم والضرب وفاطمة تصرخ: ماذا فعلت؟ لم أفعل شيئا. أنا فقط سألت غالية إن كان ممكنا سماع أغنية الغربة. هل هذا حرام؟" بدأ الطفل يصرخ بين يديها بعدما كان هادئا على غير عادته. أذهلني ذلك المنظر. منظر العنف والظلم من دون سبب. لم أتحمل أن أرى فاطمة وهي تُلْطَم وتُضرَب، فبدأت أصرخ في وجه ابن الإيمان: كفّ عن ضربها، هذا حرام. قال لي وهو ينظر إلي بعينين تقدحان شررا: ماشي شغلك! هاذي مْرَتي وَانا حر فيها.
أخفض سميرا من سرعة السيارة وقال بصوت هادئ: أنت حر في زوجتك وأنا حر في سيارتي، فهلا أوقفت الضرب عنها أو تنزل من السيارة حالا. لقد تعبت من تصرفاتك الحقيرة في سيارتي. توقف العجوز عن ضرب زوجته.
أنساني هذا العجوز اللعين ذلك الحوار الجميل الذي كان يجري بيني وبين سمير. جعلني أرجع إلى الواقع وإلى التفكير في مستقبلي المجهول معه في ليبيا. هذه المرة شعرت بخوف من المغامرة التي أنا قادمة عليها. فعدلت عن الكلام، والتزمت الصمت، أنظر من النافدة إلى تلك الصحراء المظلمة أبحث فيها عن رؤية لذلك المستقبل الغامض ببيت العجوز. كئيبة هاربة إلى القمة القاحلة ودمعي تتناثر فوق الرمال حاجبة عني الرؤيا فلم أستطع أن أرى شيئا سوى الظلام الحالك. ارتعشت من منظر ذلك السواد القاتم. أغمضت عيني لكي لا أرى شيئا.
خفف سمير من سرعة السيارة وأخرج لحافا من تحت المقعد الذي يجلس عليه ثم غطاني. بعد ساعة تقريبا توقفت السيارات الثلاثة قرب محطة البنزين. هناك سنقضي الليلة بداخل السيارة وفي الصباح الباكر سنواصل السير. نام الجميع أما أنا فكنت أفكر في حالي، وفي مستقبلي وفي العجوز الذي يصعب مرافقته. ذلك التفكير أحدث صداعاً في رأسي لكنّ التعب أثقل أجفاني فخلدت إلى النوم وسط كابوس مزعج ومرعب.
سألت علية: ماذا رأيت في منامك المزعج؟
- حلمت أنني عروس أجلس فوق كرسي ذهبي والنساء تزغردن والبنات يرقصن وبعد ساعات طويلة من الغناء والرقص، جاءت امرأة طويلة وسمينة، أمسكت بيدي بقوة ثم قادتني إلى غرفة النوم حيث كان العريس ينتظرني. كان يلبس جلبابا أبيضا، ووجهه مغطى بقناع أسود يحجب رؤية وجهه. دفعتني إليه بقوة وأمسكني بيدين خشنتين وقويتين، ثم وضعتني تحت جسمه وأنا أصرخ وأقاوم وهي تنظر إلي وتقهقه بصوت عال، بين عينيها وشمة خضراء وأسنانها طويلة مصفراء سوداء متفرقة، وعلى رأسها منديل أحمر، كانت تضغط على رجلي لتحد مقاومتي وتقول لي: اهدئي واسترخي فهذا ليس بأمر صعب. تشنجت عضلاتي ولم أعد أستطع الحركة. بدأ العرق يتصبب من كل جسمي، فإستسلمت للأمر الواقع. ضَحِكَتْ وضحك العريس ثم أزال القناع وكشف عن وجهه. تعرفين من كان العريس؟ العجوز، ابن الإيمان.
صرخت صرخة، فتحت عينيّ ألهث والتفت من حولي، فإذا بي أسمع صوت العجوز يقول:" ما هذا الصراخ؟ التفت إلي سمير قائلاً: لا تخافي إنه فقط كابوس مزعج. مسح بيده على جبهتي التي كانت تتصبب عرقا، وقال: قولي بسم الله فلن يعاودك الكابوس مرة أخرى. لم أكن أستطع النوم. بدأت أحدق في سقف السيارة ألملم ذاتي، غارقة بكابوس رحلتي.
التفت إلي سمير وقال: ألم تنمي بعد؟
- لا أريد أن أحلم مرة ثانية، أنا متأسفة على إزعاجكم وإيقاظكم من النوم.
- قال: لا داعي للاعتذار، فالإنسان لا يصنع كوابيسه بيده. أمسك يدي وقال: نامي فأمامنا نهار طويل غدا. كانت يده كبيرة وقوية جعلتني أحس بدفء وطمأنينة وبحرارة في كل جسمي، فأغمضت عيني وخلدت إلى نوم عميق.
تسرب ضوء الفجر مصحوبا بنسيم بارد. فتحت عينيّ فإذا بسمير مازال ماسكا يدي. شعرت بخجل، سحبت يدي ببطء شديد لكي لا أوقظه. ثم اتجهت إلى ذلك المطعم الصغير بجانب محطة البنزين. اغتسلت ثم ذهبت إلى حيث رمال الصحراء الذهبية، غير مبتعدة عن مكان السيارات. أنظر إلى أفق تلك الصحراء الممتدة بلا حدود، هامسة استغيث الندى وأفكر في اليوم الذي سنصل فيه إلى طرابلس، متسائلة في نفسي إن كنت سأمكث في بيت ابن الإيمان أو أبحث عن شقة صغيرة أسكن فيها ريثما ألتحق بالجامعة. بينما أنا غارقة في تفكيري، وقف أمامي سمير. صباح الخير غالية. هل نمت جيدا؟ أنت أول من استيقظ. يظهر أن بالك مشغول جدا.
- هل تقرأ أفكاري؟
- أبدا، لكن بالي مشغول عليك خاصة بعد كابوس الليلة. لاحظت أنك لست مرتاحة في رحلتك مع العجوز وزوجته.
تعجبت من كلامه وكأنه عاش الكابوس الذي رأيته في منامي، سألته مستغربة: كيف عرفت ذلك؟ ابتسم وقال: المسألة لا تحتاج إلى عناء التفكير. هيا بنا نفطر ف(زكريا) و(سهيل) ينتظرانا.
نهضت من مكاني واتجهنا إلى المطعم. قال (سهيل) و(زكريا) بصوت واحد: صباح الخير. رددت التحية وجلست في مكاني. بينما كنت أشرب كوب الحليب كان (زكريا) و(سهيل) ينظران إلى سمير ويتغامزان، قال لهما سمير بارتباك: ما بكما ؟ أفطرا بسرعة فإن أمامنا طريق طويل. قال له (سهيل) باللغة الإنجليزية: وجهك شاحب ألم تنم جيدا؟ التفت (زكريا) إلى (سهيل) وقال: يظهر أنه كان هائما في الغرام. رد عليهما (سمير) بعصبية: كفاكما من الحديث بالإنجليزية. عيب أن تتكلما بلغة لا تفهمها الفتاة.
شرب الشاي بسرعة وأخذ قطعة خبز بالجبن في يده وأسرع إلى السيارة. تظاهرت بأنني لا أفهم اللغة الإنجليزية وقلت لهما: هل سنذهب الآن؟ إن سمير قد ذهب إلى سيارته.
قال زكريا: لا عليك فهو دائما مستعجل.
أفطر الجميع واتجه كل إلى سيارته ثم انطلقت السيارات الثلاث متوغلة بعمق الصحراء الشاسعة.
الساعة الثالثة بعد الظهر والشمس تقذف بحممها كسهام تخترق العظام. لم تكن هناك شجرة يحمي بها المرء نفسه من الشمس، سوى ذلك المقهى الصغير المبني من الصفيح، والمليء بالمسافرين وسائقي سيارات الأجرة. وقفنا في طابور طويل، ننتظر دورنا لاستئجار إحدى السيارات. تعبت من الوقوف ومن شدة حرارة تلك الصحاري. جلست في مكاني لكي لا أخرج عن الصف. أخرجت من حقيبتي قنينة كولا، ساخنة ومع ذلك شربتها. ضايقتني نظرات المسافرين لي ولفاطمة. ربما كانوا يتساءلون ماذا نعمل داخل هذه الصحراء القاحلة وبين هذا الجمهور الغفير من الرجال. تملكني الذهول واعترتني الدهشة والارتباك قلت للعجوز أريد أن أذهب لأصلي. رمقني بنظرة استخفاف وضحك مستهزئا: ما عمري شفت شي واحد بيصلي بسروال الجينز ... وَيْنِّي هاذي موضة جْدِيدَة!
لم أعد أحتمل سخريته صحت فيه قائلة: يا ابن الإيمان من سماك ابن الإيمان؟ إنه اسم على غير مسمى، الأجدر أن تسمى ابن الشيطان. أنا سأصلي ببنطلون الجينز وأنت أيها العجوز اللئيم لم يعد بينك وبين قبرك إلاّ شبر ولم أراك صليت قط!
سألت علية: وبماذا أجاب؟
- لم ينبس بكلمة واحدة. ظل يحدّق فيّ. ابتعدت عن مكان الطابور، تيممت ثم صليت من غير أن أعرف مكان القبلة. نظرت إلى السماء، رأيت الغيم يلفّ سماء حالكة منذرا بقدوم ليل متجهم، دموعا دافئة سالت وحجبت عني الرؤيا. يا للوحشة من هذا السفر الوحشي. جلست تحت تلك الشمس المحرقة بعيدا عن ذلك الشيطان العجوز، وبعيداً عن صراخ الطفل المسكين الذي كان يوجع قلبي كلما أسمع بكاءه. أحسست بشيء من الاطمئنان والراحة رغم شدة الحرارة. بعدها رجعت إلى موقف السيارات فوجدت العجوز يجادل سائقا حول الأجرة. سمعت السائق يقول له: ثلاث مائة وخمسين دينار للشخص الواحد. قال ابن الإيمان: "هلا خفضت السعر؟" أجابه السائق: "لا يمكنني أن أفعل ذلك لأن هذا هو السعر المتفق عليه والذي نأخذه من المسافرين إلى ليبيا." لم تمر عشرة دقائق حتى غادر السائق المكان وسيارته ملأى بالركاب. أما العجوز فقد اتجه إلى سائق ثان يسأله عن السعر. طلب ثمنا أغلى. تركه وذهب إلى سائق ثالث. المسافرون يغادرون وهو حتى ذلك الحين لم يجد السائق الذي سيأخذنا بأجر أقل وكما يريد.
- كانت الساعة تشير إلى السادسة مساءا. أقفلت مكاتب الجمارك وغادرت الشرطة المكان، ولم يبق أحد في تلك الصحراء القاحلة إلا نحن وسبع رجال من المسافرين كانوا يجلسون في ذلك المقهى الصغير الذي ينبعث منه ضوء الشمع الخافت. بدأت الشمس تغيب عن كبد السماء والطقس يشتد بردا، والظلام ينشر لونه الأسود الداكن على تلك الصحراء المنبسطة، والعجوز يزمجر ويسخط. أما زوجته فلم تنبس ببنت شفة ولم تهتم بوجودنا في تلك الصحراء النائية، فهي موكلة أمرها لزوجها الذي يعرف كل شيء، وهو الذي يحسن التصرف، والذكي الحذق الذي لا يستغله أحد.
سألته: ابن الإيمان، هل تعي ما تفعل؟ لم يعد أحد غيرنا في هذه الصحراء، وتعرف أن هذه المنطقة خطيرة قد يداهمنا جماعة البوليزاريو أو شرذمة من المتطرفين الجزائريين؟ قالت فاطمة بصوت يلبسه الخوف: "من (هو) البوليزاريو ومن هم المتطرفين الجزائريين؟ ردّ عليها مزمجرا: أسكتي يا امرأة هذه أمور لا دخل لنا فيها، نحن لا نتدخل في السياسة، ولا نريد أن نعرف عنها شيئا. قلت له بعصبية: " من طلب منك أن تتدخل في السياسة أو تعرف عنها؟ فمثلك مثل الدابة على الأرض. توقفت عن الكلام وابتعدت عنهما قليلا، انتابني خوف وقشعريرة في جسمي وشعرت شعورا غريبا في نفسي وتهيأت لي تخيلات مريبة.
- رأيت ثلاث سيارات قادمات من الجزائر تقترب منا فتهيأ لي أنها جماعة من المتطرفين الجزائريين. نهضت من مكاني واتجهت مسرعة إلى تلك المقهى أصرخ :"عصابة قادمة إلينا". وقف الرجال الذين كانوا يجلسون بذلك المقهى وقالوا بصوت واحد: "لا داع للخوف فالسيارات سيارات أجرة."شعرت بشيء من الاطمئنان. وأخيرا جاءت السيارات التي ستأخذنا إلى ليبيا. توقفت السيارات الثلاثة قرب المقهى. نزل ثلاث شباب في نفس العمر بلباسهم الأوروبي يظهر عليهم أنهم قادمون من أوروبا. هرول الرجال نحوهم، كل واحد أخذ مقعده بعدما دفعوا أجرة الطريق إلا العجوز كان يجادل أحد السائقين على الثمن وكان السائق يقول له بأننا لا نأخذ المسافرين بأقل من هذا الأجر. بدأ العجوز يزمجر ويسخط ويقول للسائق باستكانة مصطنعة: "لا أملك الكثير من النقود كي أؤمن أجرة الطريق. قال له السائق: أنت حر في ما تملك. تعجبت لبخل ذلك العجوز ولعناده الذي لا يجدي شيئا. والذي أذهلني أكثر أن أبي أعطاه نقودا عندما كان يودعنا بمحطة الرباط مساعدة له ولزوجته، وفي نفس الوقت مكافأة له لأنني سأقيم عنده في ليبيا، وأعطاني أضعاف ذلك المبلغ لكي لا أحتاج شيئا في ذلك البلد وقال لي عندما تنقصك النقود ما عليك إلا أن تتصلي بي هاتفيا. فالعجوز عنده أجرة السفر ويمكنه أن يسافر ويرجع إلى المغرب عشر مرات بالنقود التي أخذها من أبي.
- قلت له: يا ابن الإيمان، هل تريدنا أن نقضي الليلة في الصحراء أو تريد أن تسافر مجانا؟ نظر إلي السائق وقال: - هو حر. قلت للسائق: كم يكلف أجرتنا نحن الثلاثة؟ قال: " ثلاث مائة وخمسين دينار لكل واحد منكم. أعطيته النقود فأبى أن يأخذها مني قائلا:" لماذا تدفعي أنت ثمن ركوبه؟ اتركيه، ربما ستأتي سيارة أجرة وتأخذه بالمجان. شعرت ببرد في قلبي وانتابتني لحظة من كآبة، أرعبني صمت الصحراء في ذلك المساء المتأخر ومنظر القمر السارح في فلوات الرتابة. قلت للسائق: من فضلك خذ النقود ودعنا نغادر هذه المنطقة فهي موحشة." قال لي:" لن آخذ سوى أجرتك فقط. - لكن، كيف؟ فأنا لا يمكنني أن أغادر إلا بمعييتهم! استغرب السائق وقال: هل جئت مع هذه العائلة؟ كنت خائفة منه وخائفة من ابن الإيمان الذي تحول من حمل وديع إلى ذئب مفترس، وخائفة من الليل ومن شدة البرد الذي بسط سطوته وخائفة من الصحراء ومن كل شيء حولي. كدت أفقد أعصابي، وأحسست أن عقلي سيطير من رأسي.
- قلت للسائق:" يا سيدي، إن هذه العائلة عائلتي وسأقيم عندهم في ليبيا. ضحك وقال:" معذرة اسمحي لي، لا أصدق أن هذا الرجل من عائلتك ولا هو من ثوبك فالفرق شتان بينكما. قال العجوز والبخل يحتضنه، يلهبه كجمرة زائدة: سأدفع لك النقود عندما نصل إلى ليبيا. قال السائق: ومن سيضمن لي بأنك ستدفع النقود عندما تصل إلى ليبيا؟ نظرت إلى السائق وقلت له بسرعة: أنا، أضمنه وهذا جواز سفري خذه ضمانة. لم يقل العجوز شيئا، فالسكوت علامة الرضا. نظر إلي السائق وقال: أستغرب من أمر هذه العائلة وأمرك. لكن، سآخذك وهذه العائلة من غير ضمانة منك. سأكتفي بوعد منه، نظر السائق إلى العجوز وقال: إنك محظوظ، لو لم تكن مع هذه الفتاة لما ركبت سيارتي. نظر العجوز إلى الشاب، تنفس أعماقه، فتح باب السيارة الأمامية. استوقفه السائق: مهلا، هل تريد الجلوس بجانبي؟ _ نعم، النساء مع بعضها وأنا أجلس بجانبك. السائق: فكرة جيدة لكن، أفضل أن تجلس بقرب زوجتك وابنك. والأخت تتفضل في المقعد الأمامي.
- انطلقت السيارات الثلاثة داخل الصحراء. كان الظلام حالكا، لا يمكن للمرء أن يرى شيئا سوى ضوء السيارات الثلاثة. كنت متعبة وكانت السيارة دافئة، نمت نوما عميقا. بعد أربع ساعات، توقفت السيارات الثلاثة أمام مقهى في إحدى مدن الجزائر الصغيرة. نزل كل الركاب لتناول العشاء. جلس السواق الثلاثة حول إحدى الموائد، والرجال السبعة حول مائدة أخرى. أما ابن الإيمان فتوارى بزوجته بعيدا عن العيون الثائرة والمثرثرة التي تهوى الجديد. دخلت إلى الحمام، غسلت وجهي ثم رجعت إلى السيارة وأنا في وحدتي وملاك الظلام يهمس من حولي: دعي الفلك تجري ولا ترقبي فأنت التي اخترت العوم في الفضاء ... فتحت حقيبتي، أخذت قطعة حلوى وقنينة الكولا، حيرى أهيم في وحشتي، أفكر في طلوع الغد ودمعي على مبسمي تجري، أعزي نفسي وبداخلي خوفا.
- فجأة سمعت أحدا ينقر على النافدة، إنه سائق السيارة، نظر إلي مبتسما وقال: ألا تريدين النزول للعشاء؟ رفعت عيني أحدق فيه وحولي إطار رهيب من الخوف، أمشي وكأني به واقفة.
- أجبته شاكرة: سأكتفي بالحلوى والكولا.
- انزلي تعشي معنا.
ترددت أول الأمر، بعدها وافقت. ثم اتجهت معه إلى حيث أصدقائه. كان سقف المقهى منخفضا، تنطلق منه بتكرار وتواتر سريع أحاديث و وشوشات الزبائن، تحوّلت في سمعي إلى تمتمات متداخلة. قال أحدهم مشيرا إلى العجوز وزوجته: هل أنت مسافرة مع تلك العائلة؟
نظرت إليه بين ثلج ونار، أغض بطرفي عن غيوم آفلة تحيطني بغدر الزمان الكئيب. نظر ثالثهم إلى العجوز باشمئزاز وقال: كيف لم يسألك الانضمام إليهم على مائدة العشاء؟
شعرت بارتباك واحمر وجهي خجلاً: أنا لا أحتاج منه دعوة ولا أحتاج نقودا، فعندي ما يكفيني، إلا أنني لا أشعر برغبة في الجلوس معهما. قلت كلامي ذاك وندمت.
أقال أحدهم: مادمت تكرهينه فلماذا تسافرين معه؟
كانوا ينظرون إلي باستغراب وفي صدري نصل يستل روحي لتمضي بعيدا. ترددت لحظة ووجدت نفسي أشرح لهم أمري مع ذلك العجوز وزوجته، متحفظة في كلامي وصوتي عميقا يخفي سري. عيونهم فارغة تنبثق منها علامات التعجب والاستفهام، يتطلعون إليه بين الفينة والأخرى متأففين مستهجنين لتصرف رجل أكرمه أبي وأوصاه علي بالحسنى.
قال السائق: أعرفك بنفسي، اسمي (سمير) وهذا رفيقي (زكريا) وهذا ابن عمي (سهيل). إطمئني فنحن معك وسنحميك منه ومن غيره. فأنت آمنة إلى أن تصلي ليبيا.
نظر إلي كل من (سهيل) و(زكريا) بابتسامة وكأنهما يؤكدان كلام صديقيهما سمير. لأول مرة بعد يوم وليلة استمتعت بتواجدي مع شباب يتحدثون في شتى المواضيع المختلفة والجديدة علي. وظيفتهم بيع السيارات وشرائها. يَأتون بها من إيطاليا أو فرنسا إلى المغرب. ويحملون الركاب إلى ليبيا بعد ذلك يبيعونها في طرابلس، ثم يغادرون إلى إيطاليا لشراء سيارات أخرى. كان سمير لا يكف عن الضحك والنكت. نسيت للحظات ابن الإيمان وأحسست ولأول مرة أنني مستقلة عنه ومسافرة وحدي.
وحان وقت الرحيل، واتجه كل واحد مناإلى سيارته. انطلقت السيارات الثلاثة وسط تلك القرية الصغيرة التي كان يعم فيها صمت رهيب وسكون قاتل، وكأنها مهجورة من السكان، إلا من نباح الكلاب الضالة بين الأزقة الضيقة. بعد عشرة دقائق، توغلنا بشارع داخل الصحراء القاحلة والمظلمة.
سأل العجوز سميرا: متى سنصل إلى ليبيا؟
أجابه: بعد يومين ونصف، لأننا نمر من أقصى جنوب الجزائر." قطب ابن الإيمان عن جبينه، لم يعجبه الجواب. "ماذا تعني بأقصى جنوب الجزائر." قال سمير:" مساحة الجزائر من الجنوب عرضا أطول من مساحتها من الشمال. لم أكن أعرف لماذا اختاروا تلك الطريق الطويلة ولم أسأل سميرا عن السبب. المهم نحن في طريقنا إلى ليبيا. التفت إلى فاطمة أريد الاطمئنان عليها فإذا بي أفاجأ بدموع تسيل على خديها. التزمت الصمت، تركتها كالجريح على شاطئ الوقت يخترق الدخان دمها، واكتفيت بأسئلتي تتناطح بداخلي... هل تبكي غربتها ... هل تبكي زمانها الكئيب مع زوجها .... هل تبكي حياتها التي لا تختلف عن موتها ...هل تبكي عن صوتها وصمتها الذي لا يسمع إلا بداخلها ... وجهها ضاعت صفاته عبثا على درب بلا قدر ... لا أعرف لماذا أفكر فيها، فحلمي أيضا بين صوت وموت وثلج ونار ...
التفت إلي سمير وقال أين ذهبت بفكرك ... هل تحبين موسيقى (الراي)؟ قلت بسرور مصطنع: أعشق موسيقى (الراي) وخصوصا القديم منه لأنها تتصف بإيقاع جزائري محض.
- ليس عندي ندي إلا الجديد منه، هل تحبين أن تسمعينه؟
وضع شريطا داخل جهاز التسجيل. كانت موسيقى جميلة، ومما زادها جمالا تلك الطريق الطويلة داخل الصحراء الهادئة وذلك الليل الذي أرخى سدوله على كل الجهات. حملني اللحن إلى عالم ثان، عالم الأحلام بالمستقبل الجميل وبالحرية وعدم الخوف والرعب من السر الخطير ومن زوج المستقبل، الذي كنت أخشى قدومه.
بعد انتهاء الشريط التفت إلي مبتسما وقال: هل سمعت آخر النكت المغربية؟ فاجأني بسؤاله فأنا لست متعودة على المزاح وخصوصا مع الجنس الآخر.
- سألته متلعثمة: ما هي آخر نكتة؟
- أنت التي جئت من المغرب، أسمعيني ما عندك. إنني أحب سماع النكت، لكن لا أحب أن أرويها لأنني لا أُضحك أحدا. مرة كنت أروي نكتة لإخوتي فعندما انتهيت من إلقاءها، كانوا ينظرون إلي.
سأل سمير مبديا ارتياحه بالتحدث إلي: لماذا؟
كانوا يظنون أن النكتة لم تنته بعد. فقال أحد إخوتي: وبعد؟ قلت له ليس هناك لا بعد ولا قبل تلك هي النكتة، فانفجروا ضحكا.
بدأ سمير يضحك. فشعرت بسخونة في جسمي خجلا. هل تضحك علي؟
- لا، لكن ما رويته الآن فهو نكتة. ثم بدأ يروي نكتة تلو الأخرى وأنا أضحك. بعدها أمسك بشريط ثان للراي وقال: لنسمع شيئا من الموسيقى.
كنت انظر من خلال النافذة إلى الصحراء التي أخفاها الظلام خلف بساط من السكون المرتخي. استيقظ الطفل من نومه القصير كالعادة، وبدأ يبكي والعجوز يزمجر في زوجته: اسكتي ابنك إن صراخه يزعجني. لم أرد أن أفكر في أمرها ولا أمر زوجها لأنه يزيد ني قلقا وغضبا. أخفضت صوت الموسيقى وسألت سمير: هل تتقن اللغة الإيطالية جيدا؟ ضحك وقال: بطبيعة الحال، إنني أسكن في إيطاليا.
_ أسمع أن اللغة الإيطالية قريبة من اللغة الأسبانية، هل هذا صحيح؟
_ نعم، إن اللغتين تتشابهان كثيرا في النطق وفي معظم كلماتها؟" هل تتكلمين أنت اللغة الاسبانية؟ - درست الأسبانية بالثانوية، كما أن أمي كانت تساعدني كثيرا في إنماءها. إن أمي من سكان (طنجة) لكنها سودانية الأصل. وأنت تعرف أن طنجة كانت تحت الاحتلال الأسباني.
- أنا أمازيغي , من مدينة (تافراوت) درست اللغة الأسبانية أيضا في المغرب. بعدها بدأ سمير يخاطبني باللغة الأسبانية، لقد أعجبته اللعبة. ربما أراد أن نستقل بحوارنا ونبتعد عن عالم ابن الإيمان الذي كان يزعجه من حين إلى حين بأسئلته اللامتناهية. تحدثنا طويلا عن مواضيع مختلفة؛ عن الدين وعن العادات، وعن وضعية المرأة في مجتمعنا. كانت آراؤه تختلف عن التي عهدت سماعها من أهلي.
ارتحت لنقاشه كثيرا وكأنه أزال عن قلبي بآرائه المتفتحة إرباكي في الغوص بضوضاء الأفكار. نادتني فاطمة بصوت منخفض وقالت: " هل يمكنك أن تضعي ذلك الشريط الذي به أغنية الغربة؟ إنه جميل جدا.
سألتها: أي شريط تقصدين؟
قال سمير: ماذا تريد؟
- إنها تريد أن تسمع الأغنية التي تتحدث عن الغربة.
بينما سمير يبحث بين الأشرطة محاولا إيجاد الكاسيت، سمعت الّلكم والضرب وفاطمة تصرخ: ماذا فعلت؟ لم أفعل شيئا. أنا فقط سألت غالية إن كان ممكنا سماع أغنية الغربة. هل هذا حرام؟" بدأ الطفل يصرخ بين يديها بعدما كان هادئا على غير عادته. أذهلني ذلك المنظر. منظر العنف والظلم من دون سبب. لم أتحمل أن أرى فاطمة وهي تُلْطَم وتُضرَب، فبدأت أصرخ في وجه ابن الإيمان: كفّ عن ضربها، هذا حرام. قال لي وهو ينظر إلي بعينين تقدحان شررا: ماشي شغلك! هاذي مْرَتي وَانا حر فيها.
أخفض سميرا من سرعة السيارة وقال بصوت هادئ: أنت حر في زوجتك وأنا حر في سيارتي، فهلا أوقفت الضرب عنها أو تنزل من السيارة حالا. لقد تعبت من تصرفاتك الحقيرة في سيارتي. توقف العجوز عن ضرب زوجته.
أنساني هذا العجوز اللعين ذلك الحوار الجميل الذي كان يجري بيني وبين سمير. جعلني أرجع إلى الواقع وإلى التفكير في مستقبلي المجهول معه في ليبيا. هذه المرة شعرت بخوف من المغامرة التي أنا قادمة عليها. فعدلت عن الكلام، والتزمت الصمت، أنظر من النافدة إلى تلك الصحراء المظلمة أبحث فيها عن رؤية لذلك المستقبل الغامض ببيت العجوز. كئيبة هاربة إلى القمة القاحلة ودمعي تتناثر فوق الرمال حاجبة عني الرؤيا فلم أستطع أن أرى شيئا سوى الظلام الحالك. ارتعشت من منظر ذلك السواد القاتم. أغمضت عيني لكي لا أرى شيئا.
خفف سمير من سرعة السيارة وأخرج لحافا من تحت المقعد الذي يجلس عليه ثم غطاني. بعد ساعة تقريبا توقفت السيارات الثلاثة قرب محطة البنزين. هناك سنقضي الليلة بداخل السيارة وفي الصباح الباكر سنواصل السير. نام الجميع أما أنا فكنت أفكر في حالي، وفي مستقبلي وفي العجوز الذي يصعب مرافقته. ذلك التفكير أحدث صداعاً في رأسي لكنّ التعب أثقل أجفاني فخلدت إلى النوم وسط كابوس مزعج ومرعب.
سألت علية: ماذا رأيت في منامك المزعج؟
- حلمت أنني عروس أجلس فوق كرسي ذهبي والنساء تزغردن والبنات يرقصن وبعد ساعات طويلة من الغناء والرقص، جاءت امرأة طويلة وسمينة، أمسكت بيدي بقوة ثم قادتني إلى غرفة النوم حيث كان العريس ينتظرني. كان يلبس جلبابا أبيضا، ووجهه مغطى بقناع أسود يحجب رؤية وجهه. دفعتني إليه بقوة وأمسكني بيدين خشنتين وقويتين، ثم وضعتني تحت جسمه وأنا أصرخ وأقاوم وهي تنظر إلي وتقهقه بصوت عال، بين عينيها وشمة خضراء وأسنانها طويلة مصفراء سوداء متفرقة، وعلى رأسها منديل أحمر، كانت تضغط على رجلي لتحد مقاومتي وتقول لي: اهدئي واسترخي فهذا ليس بأمر صعب. تشنجت عضلاتي ولم أعد أستطع الحركة. بدأ العرق يتصبب من كل جسمي، فإستسلمت للأمر الواقع. ضَحِكَتْ وضحك العريس ثم أزال القناع وكشف عن وجهه. تعرفين من كان العريس؟ العجوز، ابن الإيمان.
صرخت صرخة، فتحت عينيّ ألهث والتفت من حولي، فإذا بي أسمع صوت العجوز يقول:" ما هذا الصراخ؟ التفت إلي سمير قائلاً: لا تخافي إنه فقط كابوس مزعج. مسح بيده على جبهتي التي كانت تتصبب عرقا، وقال: قولي بسم الله فلن يعاودك الكابوس مرة أخرى. لم أكن أستطع النوم. بدأت أحدق في سقف السيارة ألملم ذاتي، غارقة بكابوس رحلتي.
التفت إلي سمير وقال: ألم تنمي بعد؟
- لا أريد أن أحلم مرة ثانية، أنا متأسفة على إزعاجكم وإيقاظكم من النوم.
- قال: لا داعي للاعتذار، فالإنسان لا يصنع كوابيسه بيده. أمسك يدي وقال: نامي فأمامنا نهار طويل غدا. كانت يده كبيرة وقوية جعلتني أحس بدفء وطمأنينة وبحرارة في كل جسمي، فأغمضت عيني وخلدت إلى نوم عميق.
تسرب ضوء الفجر مصحوبا بنسيم بارد. فتحت عينيّ فإذا بسمير مازال ماسكا يدي. شعرت بخجل، سحبت يدي ببطء شديد لكي لا أوقظه. ثم اتجهت إلى ذلك المطعم الصغير بجانب محطة البنزين. اغتسلت ثم ذهبت إلى حيث رمال الصحراء الذهبية، غير مبتعدة عن مكان السيارات. أنظر إلى أفق تلك الصحراء الممتدة بلا حدود، هامسة استغيث الندى وأفكر في اليوم الذي سنصل فيه إلى طرابلس، متسائلة في نفسي إن كنت سأمكث في بيت ابن الإيمان أو أبحث عن شقة صغيرة أسكن فيها ريثما ألتحق بالجامعة. بينما أنا غارقة في تفكيري، وقف أمامي سمير. صباح الخير غالية. هل نمت جيدا؟ أنت أول من استيقظ. يظهر أن بالك مشغول جدا.
- هل تقرأ أفكاري؟
- أبدا، لكن بالي مشغول عليك خاصة بعد كابوس الليلة. لاحظت أنك لست مرتاحة في رحلتك مع العجوز وزوجته.
تعجبت من كلامه وكأنه عاش الكابوس الذي رأيته في منامي، سألته مستغربة: كيف عرفت ذلك؟ ابتسم وقال: المسألة لا تحتاج إلى عناء التفكير. هيا بنا نفطر ف(زكريا) و(سهيل) ينتظرانا.
نهضت من مكاني واتجهنا إلى المطعم. قال (سهيل) و(زكريا) بصوت واحد: صباح الخير. رددت التحية وجلست في مكاني. بينما كنت أشرب كوب الحليب كان (زكريا) و(سهيل) ينظران إلى سمير ويتغامزان، قال لهما سمير بارتباك: ما بكما ؟ أفطرا بسرعة فإن أمامنا طريق طويل. قال له (سهيل) باللغة الإنجليزية: وجهك شاحب ألم تنم جيدا؟ التفت (زكريا) إلى (سهيل) وقال: يظهر أنه كان هائما في الغرام. رد عليهما (سمير) بعصبية: كفاكما من الحديث بالإنجليزية. عيب أن تتكلما بلغة لا تفهمها الفتاة.
شرب الشاي بسرعة وأخذ قطعة خبز بالجبن في يده وأسرع إلى السيارة. تظاهرت بأنني لا أفهم اللغة الإنجليزية وقلت لهما: هل سنذهب الآن؟ إن سمير قد ذهب إلى سيارته.
قال زكريا: لا عليك فهو دائما مستعجل.
أفطر الجميع واتجه كل إلى سيارته ثم انطلقت السيارات الثلاث متوغلة بعمق الصحراء الشاسعة.